عاجل الأخبار
إذاعة "صوت العرب" التي استخدمت لبث الدعاية السياسية لنظامه إلى المنطقة بأسرها مترافقة مع أغنيات أم كلثوم أنتوني

أنتوني إيدن: قناة السويس بوابة الأمبراطورية البريطانية الخلفية

بي بي سي- عين
٢٠١٩-٠١-١٢ ١٧:٤٨:٣٤





استطلاع الرأى



ماذا يحدث في المنطقة؟

وضع خريطة جديدة
اشعال الصراع الطائفي للهيمنة
تدشين حقبة استعمارية رقمية










بي بي سي- عين: صدر في لندن كتابا للمؤرخ البريطاني الشاب جيمس بار بعنوان " Lords of the Deserts" (سادة الصحراء) يرسم خريطة معقدة للمنطقة العربية وإيران خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات وصولا إلى أوائل الستينيات. وكذلك يسرد قصة التنافس الأمريكي البريطاني على المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، وأيضا قصة علاقة الجاسوس الأمريكي الشهير "كيم روزفلت" مع الضباط الأحرار وكيف التقى بمجموعة منهم في قبرص.

كان ذلك قبل أشهر من الإطاحة بـ"الملك فاروق" الذي لطالما كان يردد قبل رحلته الأخيرة من الإسكندرية إلى إيطاليا بعد الإنقلاب عليه أن ملوك العالم لن يبقى منهم سوى ملوك ورق الكوتشينة الأربعة وملك بريطانيا.

ويسلط "بار" الضوء من خلال الوثائق البريطانية والأمريكية التي بحث فيها خلال تأليفه الكتاب، على صراع النفط بين أرامكو السعودية-الأميركية وشركة النفط البريطانية الإيرانية، وكيف ورّطت لندن حليفتها وخصمها في آن، واشنطن، في عملية "أجاكس" الشهيرة التي أطاحت برئيس الوزراء الإيراني "محمد مصدّق" وثبتت حكم شاه إيران آنذاك، "محمد رضا بهلوي"، عام ١٩٥٣.

ويحضر عبد الناصر بقوة في صفحات الكتاب، فقد ظهر أولاً كحليف لواشنطن وخصماً للندن، ثم عدواً لكليهما. ويتضمن الكتاب شرحاً مع سرد لقصص من تلك المرحلة عن لعبة المساومة التي احترفها الزعيم المصري الراحل بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، وكيف عوضته الأخيرة عن صفقة سلاح بتقديم هدية، هي إذاعة "صوت العرب" التي استخدمت لبث الدعاية السياسية لنظامه إلى المنطقة بأسرها مترافقة مع أغنيات أم كلثوم.

من القصص التي يرويها الكتاب كيف التقى الجاسوس "روزفلت" وضابط وكالة الإستخبارات الأمريكية الآخر "مايلز كوبلاند" بـ"عبد الناصر" في بيته من أجل تخفيف حدة التوتر مع إسرائيل، وبينما هما في طور الحديث مع مضيفهما، جاء خبر زيارة السفير البريطاني في القاهرة للزعيم، وهنا إضطر الرجلان للصعود إلى الطابق العلوي ومازح كوبلاند شريكه "روزفلت" بالقول: "سيكون من الممتع أن نرى ردة فعل السفير البريطاني ونحن نقاطع جمال عبد الناصر لنقول له أن المرطبات في الأعلى قد نفدت".

ومن بين ما يذكره بار في كتابه أن اللمسات الأخيرة للانقلاب الأميركي البريطاني على رئيس الوزراء الإيراني "محمد مصدق" وضعت في فندق سان جورج على الساحل الغربي للعاصمة اللبنانية بيروت، كذلك هوية من شاركوا في الانقلاب وكيف جرى التدبير له وما سبقه من مفاوضات حول الاتفاقية الإيرانية البريطانية حول حصص النفط، وقول أحد رؤساء شركة النفط الإيرانية البريطانية لدى سؤاله عما يمكن التنازل عنه للإيرانيين: "إذا ما أعطيتم الإيرانيين شبرا فهم سيأخذون ميلا".

في الفصول الأولى يعود "بار" إلى مرحلة التأسيس لإسرائيل وتأثير الانتخابات الداخلية في أمريكا على القرار النهائي بشأن دعم قيام دولة لليهود. في هذا الإطار ينقل الكاتب نوعا من التردد البريطاني للمضي قدما بوعد "بلفور" كما هو، وهو أمر عززه تقرير أمني وصل إلى الوزير البريطاني المقيم "ريتشارد كايسي" حول قيام جماعة الهاجانا اليهودية بالتصالح مع العصابات الأخرى تمهيدا لتأسيس دولة يهودية على أرض فلسطين التاريخية.

هذا الأمر دفع بـ"كايسي" لتحذير لندن في العام ١٩٤٣م من أن المنطقة مقدمة على صراع عنيف لم تشهده من قبل بمجرد أن تنتهي الحرب العالمية أو ربما بعد ذلك بأشهر قليلة.

سعى "كايسي" لتوحيد الجهود الأمريكية البريطانية للخروج ببيان موحد يؤكد رفض تبني خطة "ديفيد بن جوريون" لدولة أمر واقع، وهو أمر كاد أن يحصل لولا تلكؤ رئيس الوزراء البريطاني، "ونستون تشرتشل"، ووزير خارجيته، "أنتوني إيدن"، اللذين لم يرغبا بذلك.

وبعد أن أقنع الوزير البريطاني المقيم "تشرشل" و"إيدن" بضرورة إصدار بيان مشترك جرى الاتفاق مع الأمريكيين على ذلك وجرى تحديد يوم ٢٧ يوليو لذلك، لكن حماس مسؤولي البلدين خفت لحظة الإعلان المقرر، وضاعت جهود كايسي التي امتدت ستة أشهر سدى.

وكما كان الملك فاروق متيقنا في البداية أن حكمه سيأتي إلى نهايته في لحظة ما قريبة، فإن بريطانيا بدت بدورها متحسبة لإنتهاء الدور، مما أجج صراعها مع الولايات المتحدة ودفع مبعوث الرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط "وندل ولكي للقول "إن الزمن الاستعماري أصبح من الماضي".

في تلك المرحلة بدت بريطانيا بحسب الكتاب كمن يصارع القدر لا سيما مع الترابط الذي بدا جليا بين تأميم مصدق في إيران للنفط في العام ١٩٥١م وطلبه خروج الموظفين البريطانيين من ميناء عابدان الإيراني، وبين تحرك البرلمان المصري لتعديل إتفاقية ١٩٣٦، حيث عبّر تشرشل عن الوضع بالقول إن أزمة السويس هي "لقيطة الحالة الإيرانية".

في فصل تحت عنوان "التخلص من عبد الناصر" يوصّف "بار" حالة الحنق التي وصل إليها رئيس الوزراء البريطاني "أنتوني إيدن" إلى حد طلبه من الوزير "أنتوني نوتينج" بصيغة واضحة اغتيال عبد الناصر لا مجرد عزله أو محاصرته.

ويشرح الكاتب أهمية قناة السويس بالنسبة لبريطانيا حيث ينقل عن "إيدن" قوله عنها في العام ١٩٢٩م "إنها حلقة وصل في الدفاع عن الإمبراطورية وبوابتها الخلفية"، ولذلك فإن خسارتها ستكون كارثة بالنسبة للبريطانيين، وهو ما كان بالنسبة لعبد الناصر هدفاً.

لكن "عبد الناصر" لم يكن خصما للبريطانيين فقط، بل للكثيرين من جيرانه العرب، يروي الكتاب كيف نصح رئيس الوزراء العراقي "نوري السعيد" نظيره البريطاني "إيدن" خلال زيارة إلى ١٠ دواننج ستريت في لندن بضرب "عبد الناصر". قال "السعيد": "إضربه، إضربه بقوة الآن وإلا سيفوت الأوان، وعندما يصبح وحيدا سيجهز علينا جميعا".

لكن "نوري السعيد" لن يطيل المكوث إذ أن ضابطاً في الجيش العراقي هو "عبد الكريم قاسم" سيطيح به وبالنظام الملكي في انقلاب عسكري في 14 يوليو ١٩٥٨م. وبحسب "بار" فإن هذا الإنقلاب شكل أيضا ضربة أخرى للندن بعد تأميم قناة السويس قبل عامين.

يستعرض الكتاب أيضا محاولة إنقلاب سعودية فاشلة في سوريا ضد "عبد الناصر"، كانت واشنطن قد حذرت الرياض من مخاطرها. يروي "بار" في فصل بعنوان "عام الثورات" كيف أن وزير داخلية الجمهورية العربية المتحدة "عبد الحميد السرّاج" كشف لـ"عبد الناصر" تلقيه مليوني جنيه إسترليني مقابل تنفيذه انقلابا على الوحدة المصرية السورية، مع وعد بدفع مليونين إضافيين في حال إغتيال "عبد الناصر".

وفي واشنطن كان مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية يتحدث بأسف عن تحذيره للسعوديين، خاصة وأن المحاولة شكلت ضربة لواشنطن التي تأثرت بشكل سلبي بحكم علاقتها مع الرياض، وهو الأمر الذي أدى لاحقا إلى تقدم ولي العهد، الأمير فيصل، لتولي أمور البلاد.

يختم الكاتب في هذا الإطار: "بحلول ١٩٥٩م، كانت وظيفة الملك سعود تقتصر على توزيع المساعدات، وتوقيع أوراق الإعدام، وبعض الأوراق الرسمية الأخرى".

 

دلالات:
  • أنتوني إيدن
  • بريطانيا
  • قناة السويس
  • سادة الصحراء
  • عبد الناصر

اقرأ أيضاً