عاجل الأخبار
هكذا انشغل الناس بـ "مدحت"، في حين انشغل هو بمحاولة جمع الفريضة الواحدة في بيتين من بيوت الله. أحمد عيسى

"أحمد عيسى": "حمامة المسجد" قصة قصيرة

خاص- عين
٢٠١٩-٠٧-٠٤ ٢٠:٣١:٥٨





استطلاع الرأى



ماذا يحدث في المنطقة؟

وضع خريطة جديدة
اشعال الصراع الطائفي للهيمنة
تدشين حقبة استعمارية رقمية










خاص- عين: “مدحت” خمسيني متوسط الطول، أصلع الرأس؛ مائل إلى الامتلاء، موظف بمرور إحدى المناطق بالقاهرة، متوسط الحالة الاقتصادية.

لو شاء هذا الرجل لاغترف من الحرام فثبَّط العملاء وعطَّل، وأرجأ المصالح وسوَّف، ولفتح الأدراج، وغمز بالطَّرْف، ولمَّح بالجمل الرخيصة، والإيماءات المرتشية، وإذن لَعَبَّ من المال عباً.

“مدحت” إنسان سويٌّ على فطرته، ليس شَغُوفاً بقراءة، ولا مُولعاً باطلاع، إنما هو كَلِف بمجالس تعليم وترتيل القرآن الكريم والعبادات الخفيَّة، فتراه يُكثر الخطى إلى المساجد، يتسمع الأذان، ويتشوف للإقامة، ويتعرض كثيراً لنفحات الصيام.

يرى “مدحت” نفسه مقصراً دوماً، فرغم أن صلاة الغداة لا تفوته، إلا أنه عقب كل صلاةِ فجرٍ يتذكر دائماً صلوات الصبح التي غفل عنها، وفرَّط فيها حين كان طفلاً، ويافعاً، ومراهقاً، وشاباً.

اعتزم “مدحت” أن يعوِّض الصَّلوات التي فاتته لتقصير وتفريط، أو حتى لنوم، فكان يجوب رحاب الجوامع والمساجد بالمنطقة التي يسكن فيها، فيتعرف المساجد التي تُبكِّر بإقامة الصلاة، ويرصد المساجد التي تُرجئ الإقامة قليلاً.

فكان "مدحت" دائماً من المبادرين إلى المساجد المبكرة بإقام الصلاة، ثم سرعان ما ينعطف -جاداً خاشعاً لا مُسرعاً- إلى المساجد المتأنية في إقامة الشعائر.. هكذا كان دأبه في صلواته خاصة في صلوات: الفجر، والعصر، والعشاء.

لاحظ رواد المساجد المبكرة أن “مدحت” لا يختم الصلاة، ويهبُّ مسرعاً إثر التسليمتين، كما لاحظ رواد المساجد المتأنية أن “مدحت” لا يأتي لصلاة السُّنن القَبلية.

هكذا انشغل الناس بـ "مدحت"، في حين انشغل هو بمحاولة جمع الفريضة الواحدة في بيتين من بيوت الله.

وفي لقاءٍ على غير العادة جمع "مدحت" - قدراً - بمصلييْن من كلا المسجديْن أمام محل "زاهر للألبان" بعد صلاة العشاء، دار هذا الحديث:

محمود العصار: أ/ مدحت يؤسفني أن أراك دوماً حين تصلي معنا عَجِلاً بعد الصلاة.. فلا أذكار، ولا دعاء وخشوع ورويَّة، ولا أنت تصيب شيئاً من سُنن بَعدية!

أحمد السباك: وقد أحزنني كذلك أنك يا أ/ مدحت حين تصلي معنا تأتي دوماً متأخراً، فلا تُدرك تحيَّة المسجد، ولا سُنة الوضوء، ولا السُّنن القَبلية.

مدحت: الحق معكما تماماً.. تعلمان إرهاق العمل، وهموم البيت، ومشكلات الأولاد، وتلبيس الشيطان ووسوسته، وضعف النفس وكسلها.. أسألكما بالله إلا دعوتما لي.

بعد هذا اللقاء، شرع "مدحت" في البحث الحثيث عن مسجديْنِ آخريْنِ، يُدرك فيهما الفريضة المكتوبة مرتيْنِ دون رصد ومتابعة.

وحين كان يقابله العصار أو السباك أو غيرهما ويسألانه عن غيبته يتعلل "مدحت" بمواعيد الصيف، ومواقيت الشتاء، ووطأة العمل.. مؤكداً لهما أنه في حاجة ماسَّة إلى دعوة المحبين من إخوانه بظهر الغيب!

قضى "مدحت" زهاءَ عشرين عاماً متنقلاً بين المساجد حتى جاوز السبعين من عمره، وكان يُغيِّر المسجد حين يلحظ من أحدهم ملاحقة أو فضولاً.

وفي جنازة متواضعة الاحتشاد إلا أنها كانت مهيبة الجانب، ظللها الخشوع، وجللتها السكينة، اختصم الناس فيها فريقين، أحدهما يقول:

لقد تُوفي أ/مدحت - رحمه الله - عقب صلاة الفجر معنا بـ"مسجد التُّقى" بحوالي ساعتين، على حين كان الفريق الآخر يؤكد: بل مات - غفر الله له ورحمه - إثر صلاة الصبح معنا بـ "مسجد الهُدى" بنحو ساعتين!!

دلالات:
  • قصص قصيرة
  • روايات
  • ابداعات
  • قصص
  • مترجمات
  • شعر
  • اصدارات

اقرأ أيضاً